سيد محمد طنطاوي
536
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : أن أبا لهب لن يغنى عنه ماله الكثير ، وكسبه الوفير من حطام الدنيا . . . لن يغنى عنه شيئا من عذاب اللَّه - تعالى - ، أو شيئا من انتشار رسالة اللَّه - تعالى - في الأرض ، فإن اللَّه - سبحانه - ناصر نبيه صلى اللَّه عليه وسلم ومؤيده بروح منه . والتعبير بالماضي في قوله : * ( ما أَغْنى . . . ) * لتحقيق وقوع عدم الإغناء . والراجح أن « ما » الأولى نافية ، والثانية موصولة . أي : ما أغنى عنه شيئا ماله الذي ورثه عن أبيه ، وأيضا ما أغنى عنه شيئا ماله الذي جمعه واكتسبه هو بنفسه عن طريق التجارة وغيرها . وقوله - سبحانه - : * ( سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ ) * بيان للعاقبة السيئة التي تنتظره ، بعد هذا الذم والتأنيب والوعيد . أي : سيلقى بأبى لهب في نار شديدة الحرارة ، تشوى الوجوه والأبدان ، ووصف - سبحانه - النار بأنها « ذات لهب » لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه وكفره ، إذ هو معروف بأبى لهب ، والنار موصوفة بأنها ذات لهب شديد . ثم أعقب - سبحانه - ذلك ، بذم زوجه التي كانت تشاركه العداوة لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( وامْرَأَتُه حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ، فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) * . وقوله : * ( وامْرَأَتُه ) * معطوف على الضمير المستتر العائد على أبى لهب في قوله * ( سَيَصْلى ) * ، وانتصاب لفظ « حمالة » على الذم بفعل مضمر ، لأن المقصود به هنا الذم ، وقرأ الجمهور * ( حَمَّالَةَ ) * - بالرفع - على أنه صفة لها ، أو خبر لمبتدأ محذوف ، أي : هي حمالة الحطب . والمقصود بقوله - تعالى - * ( حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) * الحقيقة ، فقد روى أنها كانت تحمل بنفسها حزمة الشّوك والحسك والسّعدان ، فتنثرها بالليل في طريقه صلى اللَّه عليه وسلم ، لإيذائه به ، ويصح أن يكون المراد بهذه الجملة الكناية عن مشيها بين الناس بالنميمة ، وإشاعة السوء حول الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فإنه يقال لمن يمشى بالنميمة ليفسد بين الناس ، إنسان يحمل الحطب بين الناس ، أي : أنه يفسد بينهم . ويصح أن يكون المقصود بهذه الجملة ، حملها للذنوب والخطايا ، من قولهم : فلان يحطب على ظهره ، إذا كان يكتسب الذنوب والخطايا ، فاستعير الحطب لذلك . وقد رجح الإمام ابن جرير القول الأول ، لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه في طريق النبي صلى اللَّه عليه وسلم « 1 » .
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن جرير ج 20 ص 220 .